عملية الكلام


كما علمنا سابقاً أن الكلام هو عبارة عن سياق من الرموز الصوتية التي تخضع لنظام معين متفق عليه بين أفراد الثقافة الواحدة وهو من صور اللغة وأكثر خصوصية منها والأداء الفعلي والأسلوب الأكثر شيوعاً لها للتواصل بين البشر فهو الجانب المنطوق والمسموع من اللغة. فمن خلال عملية الكلام يستطيع الفرد التعبير عن أرائه وأفكاره ومشاعره ونقل المعلومات إلى من حوله من البشر.


وعملية الكلام عملية معقدة تشترك فيها عدة أجهزة عضوية وتمر بمراحل مختلفة وعلى الرغم من أن هذه الأجهزة تقوم بعملية خاصة بها في عملية نطق الكلام إلا أنه لا يمكن لأي جهاز من هذه الأجهزة أن يعمل بشكل منفصل ومستقل عن الأجهزة الأخرى بل لابد لها أن تشترك مع بعضها البعض في إتمام عملية الكلام والتواصل.


وتقسم عملية الكلام إلى ثلاث مراحل:
• مرحلة الاستقبال
• مرحلة المعالجة
• مرحلة الإرسال
ولكل مرحلة أجهزة خاصة بها تقوم بمهام معينة تختص بتلك المرحلة.



أولاً : مرحلة الاستقبال:
والجهاز الأساسي في هذه المرحلة هو جهاز السمع والذي يتكون من ثلاثة أجزاء وهي الأذن الخارجية ، والأذن الوسطى، والأذن الداخلية . ويتم خلال هذه المرحلة استقبال الأصوات من البيئة المحيطة وتحويلها إلى نبضات عصبية ومن ثم نقلها عبر العصب السمعي إلى مناطق خاصة في الدماغ ليتم معالجتها وإدراكها كأصوات.


1. الأذن الخارجية:
وتتكون من الصيوان وقناة السمع ويبلغ طولها 2.5 سم تقريباً عند الأشخاص البالغين وتنتهي الأذن الخارجية عند الأذن الوسطى بطبلة الأذن .تقوم الأذن الخارجية بتجميع ونقل الأمواج الصوتية من البيئة المحيطة وتوصيلها إلى الأذن الوسطى وتقوم أيضاً بتحديد مصدر الصوت.


2. الأذن الوسطى
وتشتمل على طبلة الأذن ومن العظيمات الثلاث المطرقة ، والسندان ، والركاب وتنتهي الأذن الوسطى عند الأذن الداخلية بالنافذة البيضاوية . وتقوم الأذن الوسطى بتحويل الموجات الصوتية إلى طاقة ميكانيكية (حركية) وتوصيلها إلى الأذن الداخلية عبر النافذة البيضاوية. فعند انتقال الموجات الصوتية من الأذن الخارجية إلى الأذن الوسطى تهتز الطبلة فتضغط على عظيمة المطرقة مما يؤدي إلى اهتزازها فتنتقل هذه الحركة الاهتزازية عبر العظيمات الثلاث إلى أن تصل إلى النافذة البيضاوية. هذا مع العلم أن عظيمة المطرقة أكبر من عظيمة السندان وأن عظيمة السندان أكبر من عظيمة الركاب فيؤدي هذا التناسق بين العظيمات من الأكبر إلى الأصغر إلى تضخيم الصوت وتكبيره بنسبه تصل إلى 30 ضعفاً عند وصول الصوت إلى النافذة البيضاوية.


كما يوجد في الأذن الوسطى قناة أستاكيوس التي تصل بينها وبين التجويف البلعومي الأنفي ويبلغ طولها حوالي 1.5 سم. وتقوم قناة أستاكيوس بحفظ توازن الضغط على جانبي الطبلة وتقوم أيضاً بتهوية الأذن الوسطى وتخليصها من السوائل التي قد تتجمع بداخلها والتي قد تعيق حركة العظيمات الثلاث.


3. الأذن الداخلية :
وتتكون من القوقعة والقنوات الدهليزية أو شبه الهلالية و تحتوي القوقعة والقنوات الدهليزية على سائل ليمفاوي أو ما يعرف بالسائل التيهي والقوقعة حلزونية الشكل ويوجد بداخلها عدد كبير من الشعيرات الدقيقة وتتصل بالأذن الوسطى بواسطة النافذة البيضاوية التي تنقل حركة العظيمات الثلاث في الأذن الوسطى من خلالها إلى القوقعة حيث تؤدي حركة السائل التيهي فيها إلى تحرك الشعيرات الدقيقة والتي تؤدي إلى توليد نبضات عصبية متتابعة يتم نقلها عن طريق العصب السمعي إلى الدماغ حيث يتم فهم وإدراك وتفسير هذه النبضات في شكل أصوات.


أما القنوات شبه الدهليزية فهي عبارة عن ثلاث قنوات شبه دائرية تتصل بالقوقعة من جهة وبالعصب السمعي من جهة أخرى وتؤدي حركة السائل التيهي فيها عند حركة الجسم أو الرأس إلى تحفيز الخلايا الحسية وبالتالي تتولد نبضات عصبية حسية تنتقل عن طريق الفرع الدهليزي للعصب السمعي إلى مركز التوازن في المخيخ الذي يقوم بإرسال نبضات عصبية حركية إلى العضلات لإعادة التوازن للجسم وتصحيح وضعه.
ثانياُ : مرحلة المعالجة :
الجهاز الأساسي في هذه المرحلة هو الجهاز العصبي وينقسم إلى قسمين رئيسين هما الجهاز العصبي المركزي (والجهاز العصبي الطرفي أو المحيطي وعملية المعالجة اللغوية وإنتاج الكلام من أكثر العمليات تعقيداً فهي تحدث نتيجة عمل متكامل للجهاز العصبي حيث تتضافر مجموعة كبيرة من المناطق المخية والخلايا العصبية الحسية منها والحركية في هذه العملية والحديث عن وظيفة كل من هذه المناطق والخلايا وتميزها كل منطقة على حده قد تم بهدف توضيح دورها في عملية المعالجة اللغوية وإنتاج الكلام.

أولاً : الجهاز العصبي المركزي
ويتكون الجهاز العصبي المركزي من الدماغ والحبل الشوكي هذا وينقسم دماغ الإنسان إلى نصفي كرة متماثلين تقريباً وهما الفص الأيمن والفص الأيسر . ويربط هذين الفصين خلايا عصبية متخصصة كثيرة تسمى الألياف العصبية أو الجسم القاسي. يقوم الدماغ بالتحكم بأعضاء الجسم المختلفة ووظائفها. وقد أوضحت الدراسات والاكتشافات أن فصي الدماغ يقومان بالتحكم بوظائف أعضاء الجسم بشكل متعاكس وهو ما يعرف باسم . أي أن الفص الأيمن يقوم بالتحكم بوظائف الجزاء الأيسر من الجسم والفص الأيسر يتحكم بوظائف الجزء الأيمن من الجسم. ومن وظائف الدماغ:
o الفص الأيمن
عملية إدراك الأصوات غير اللغوية
 مهارات التقدير الفراغي البصري كإدراك المساحة والحجم والطول
 المواهب الفنية والإدراكية الحسية
 الألوان
 التخيل
 الأبعاد
 التناسق
o الفص الأيسر
 معالجة اللغة
 السيطرة والتحكم في عملية الكلام
 الاستماع
 القراءة
 الكتابة
 التعليل التحليلي
 الترتيب الزمني
 القدرات الرياضية والتعليمية
 تسلسل العمليات الفكرية

ويضم كل نصف من نصفي المخ على أربعة فصوص (أجزاء) سطحية وهي:
1. الفص الجبهي أو الأمامي:
ويحتوي على المناطق المخية المسؤولة عن الحركة والمناطق الحسية والذكاء والتدبر والحكمة والذاكرة والانفعالات.

2. الفص الجداري أو العلوي :
ويشمل على الخلايا المخية المسؤولة عن الإحساسات الجسدية والوظائف الحسية الحركية.

3. الفص القذالي أو القفوي:
ويضم المناطق المسؤولة عن الإدراك البصري وهو مسؤول عن الترابط الحسي البصري.

4. الفص الصدغي أو الجانبي :
ويحتوي على خلايا القشرة المخية المسؤولة عن الإحساس السمعي وعملية الاستماع وفهم الكلام المسموع.

مراكز اللغة في الدماغ:
كشفت الدراسات أن كل من قسمي الدماغ متخصص بالقيام بوظائف معينة وأن كل قسم متمم للقسم الآخر. كما لوحظ أن الغالبية العظمى من الناس (حوالي 95% ) تتركز معظم مراكز اللغة لديهم في الفص الأيسر حيث تتم المعالجة اللغوية وأما النسبة المتبقية (حوالي 5%) فتوجد مراكز اللغة لديهم في الفص الأيمن وما يؤكد هذا عدد الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليمنى للكتابة حيث يعتبر الفص الأيسر هو المسيطر . ومما يثبت على تحكم النصف الأيسر من الدماغ باللغة أيضاً وجود بعض الحالات التي أصيب فيها الجزء الأيسر من الدماغ بجلطة أو نتيجة الحوادث والتي أدت إلى إصابة هؤلاء باضطرابات في لغتهم. ويقوم الفص الأيمن من الدماغ بدور مهم في معالجة المعلومات اللغوية فإصابة هذا الجزء تؤدي إلى صعوبات في فهم اللغة غير اللفظية وكذلك صعوبات في مظاهر اللغة الاجتماعية .

مراكز اللغة:
توجد مراكز اللغة في الفص الأيسر من الدماغ وتتصل مع بعضها البعض بخلايا عصبية متخصصة

1. منطقة بروكا
تنسب هذه المنطقة إلى مكتشفها عالم الأعصاب بول بروكا وتوجد في مقدمة الفص الأيسر من الدماغ في الفص الجبهي وهي المسؤولة عن تنفيذ عملية الكلام حركياً فهي المسؤولة عن تشكيل وبناء الكلمات والجمل وعن استخدام علامات الجمع وشكل الأفعال واختيار الكلمات الوظيفية كحروف الجر والعطف. وتفسر وظيفة منطقة بروكا بقربها من المنطقة المسؤولة عن التحكم بحركة الجسم وكذلك عن التحكم بعضلات الوجه والفك واللسان والحنجرة (.

2. منطقة فيرنك
تنسب هذه المنطقة إلى مكتشفها عالم الجراحة كارل فيرنك وتقع هذه المنطقة بالقرب من منطقة السمع الرئيسية في الجزء الخلفي للفص الصدغي فتقوم باستقبال المدخلات السمعية وهي المنطقة المسؤولة عن فهم وتفسير الكلام فهي تقوم بإعداد المعاني وتفسير المفردات واختيارها بهدف إنتاج الجمل.

هذا وترتبط منطقة بروكا ومنطقة فيرنك بحزمة من الألياف العصبية تعرف بحزمة الألياف المقوسة

3. التلفيفة الزاوية
تقع هذه المنطقة في أسفل الفص الجداري خلف منطقة فيرنك وأمام مناطق الاستقبال البصري وهي المنطقة المسؤولة عن تحويل المثير البصري إلى شكل سمعي. فهي تسهل وظيفة القراءة البصرية وكل ما يحتاج إلى الربط بين المثيرات البصرية ومناطق الكلام. كما تلعب هذه المنطقة دوراً هاماً في التوصيل بين الشكل المحكي من اللغة وصورتها المدركة وتسمية الأشياء واستيعاب الشكل المكتوب للغة.

4. المنطقة السمعية:
تقع هذه المنطقة في الجزء الخلفي للفص الصدغي أمام منطقة فيرنك وتقوم باستقبال الأصوات القادمة عبر العصب السمعي الثامن وهي المنطقة المسؤولة عن تسجيل الأصوات بكل صفاتها (التردد والشدة والتركيب(

ثانياً : الجهاز العصبي الطرفي أو المحيطي
ويتكون الجهاز العصبي الطرفي من الأعصاب القحفية والأعصاب الشوكية وتقوم هذه الأعصاب بعمليتين أساسيتين:
o نقل المعلومات الحسية من أعضاء الجسم إلى الدماغ ليقوم الدماغ بتفسير ما تشعر به هذه الأعضاء.
o نقل المعلومات الحركية من الدماغ إلى أعضاء الجسم ومن ثم تستجيب الأعضاء لهذه المعلومات.

1. الأعصاب الشوكية :
وتسمى هذه الأعصاب باسم المنطقة التي تخرج منها. فهناك ثمانية أزواج عنقية واثني عشر زوجاً صدرياً وخمسة أزواج عجزية وزوج واحد عصعصي. وتقوم الأعصاب الشوكية بدور مهم في عملية الكلام فهي تقوم بتنشيط العضلات التي تستخدم في ضبط عملية التنفس أثناء الكلام.

2. الأعصاب القحفية :
تتكون الأعصاب القحفية من أثنى عشر زوجاً والتي تدخل إلى الجمجمة وتخرج منها وتسمى كذلك الأعصاب الجمجمية وهذه الأعصاب هي مع شرح وظيفة الأعصاب التي لها علاقة بعملية الكلام:
1. العصب الشمي
o عصب حسي مسؤول عن حاسة الشم
2. العصب البصري
o عصب حسي يساعد في عملية القراءة والكتابة وقراءة الشفاه وتعبيرات الوجه
3. عصب حركة العين
o عصب حركي مسؤول عن حركة العينين ويساعد في عملية القراءة
4. العصب البكري
o عصب حسي حركي يشارك العصب الثالث والسادس في العمل وهو مسؤول عن حركة العينين يميناً ويساراً وإلى أعلى وأسفل وتكييفها حسب الجسم المرئي ويساعد في عملية القراءة
5. عصب مثلث الوجه
o عصب حسي حركي يقوم بنقل الإحساسات من الوجه والعين والأنف والفم والأسنان إلى الدماغ ويساعد كذلك في حركة أعضاء جهاز النطق أثناء عملية الكلام وكذلك أثناء عملية المضغ
6. عصب الإبعاد
o عصب حسي حركي ويشارك العصب الثالث والرابع في العمل وهو المسؤول عن حركة العينين إلى أسفل
7. عصب الوجه
o عصب حسي حركي وهو المسؤول عن حركة عضلات الوجه وتعبيرات الوجه أثناء الكلام والإحساس في اللسان وسقف الحلق الرخو والتذوق
8. عصب السمع
o عصب حسي ويقوم بنقل المثيرات السمعية من الأذن إلى الدماغ ويساعد كذلك على حفظ توازن الجسم
9. العصب اللساني البلعومي
o عصب حسي حركي يساعد العصب السابع في العمل وهو مسؤول عن حركة البلعوم وإحساساته وحركة الجزء الخلفي من اللسان
10. العصب الحائر أو المبهم
o عصب حسي حركي وهو عصب طويل ومتفرع ويساعد في تنظيم عملية التنفس ودقات القلب والهضم وحركة الحنجرة والبلعوم وسقف الحلق الرخو والحجاب الحاجز والأحبال الصوتية وهو مسؤول أيضاً عن الإحساس في القلب والرئتين والحنجرة والأذن الخارجية
11. العصب الإضافي أو المساعد
o عصب حركي وهو مسؤول عن حركة العضلات الكبيرة في الرأس والرقبة والكتفين
12. العصب تحت اللسان
o عصب حسي حركي وهو المسؤول عن حركة اللسان والفكين والبلعوم والحنجرة

استيعاب وإنتاج الكلام في الدماغ
1. استيعاب الكلام :
تصل النبضات العصبية المتولدة في الأذن الداخلية إلى المنطقة السمعية في الدماغ عن طريق العصب السمعي وبعد ذلك ترسل هذه النبضات عن طريق خلايا عصبية متخصصة إلى منطقة فيرنك حيث يتم تفسير وفهم الكلام المسموع.
وعندما يرتبط الكلام المسموع بتصور معين فإن رسالة عصبية ترسل إلى منطقة التلفيفة الزاوية حيث يتم تحويل التصور إلى مثير بصري يمكن إدراكها في المنطقة البصرية

عملية استيعاب الكلام.

2. إنتاج الكلام :
عندما نريد أن نبدأ في عملية إنتاج الكلام فإن الكلام يأخذ من منطقة فيرنك ومن ثم ترسل عن طريق حزمة الألياف المقوسة إلى منطقة بروكا والتي بدورها تقوم بتحديد الشكل الحركي لهذا الكلام وبعد ذلك ترسل الرسائل من منطقة بروكا إلى المنطقة الحركية ليتم التنسيق والتحكم بشكل أعضاء النطق والجهاز الصوتي لإنتاج هذا الكلام

وعندما نحاول قراءة كلمة مكتوبة فإن المعلومات تنقل من العين عبر العصب البصري إلى المنطقة البصرية في الدماغ ومن ثم تنقل إلى التلفيفة الزاوية التي تقوم بربط الشكل البصري والشكل السمعي للكلمة المخزنة في منطقة فيرنك وبعد ذلك تنقل المعلومات عن طريق حزمة الألياف المقوسة إلى منطقة بروكا لتحدد الشكل الحركي للكلمة ومن ثم ترسل الأوامر إلى المنطقة الحركية لتأخذ أعضاء النطق والجهاز الصوتي الشكل المناسب ليتم إنتاج هذه الكلمة

وكذلك عند نطق كلمة مسموعة فإن المعلومات تنقل من الأذن الداخلية عبر العصب السمعي إلى المنطقة السمعية في الدماغ وبعد ذلك تنقل إلى منطقة فيرنك ليتم فهمها وإدراكها ومن ثم يتم إرسال هذه الكلمة من خلال حزمة الألياف المقوسة إلى منطقة بروكا لتأخذ الشكل الحركي للكلمة والتي بدورها تقوم بإرسال الأوامر إلى المنطقة الحركية للتنسيق والتحكم بشكل أعضاء النطق والجهاز الصوتي لنطق هذه الكلمة

لذلك نرى أن عملية المعالجة اللغوية هي عملية معقدة تشترك فيها عدة مناطق في الدماغ فهي ليست مرتبطة بمنطقة معينة ولابد من وجود تناسق بين مراكز اللغة والخلايا العصبية التي تقوم بنقل المعلومات بين هذه المراكز ولذلك فإن حدوث خلل أو عطب في هذه المراكز أو الخلايا العصبية سيكون له تأثير على عملية استيعاب الكلام وإنتاجه.


منقول



ulgdm hg;ghl